الشيخ محمد رشيد رضا

36

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كما قال في سورة البقرة في مقابلة نفي المؤاخذة باللغو ( وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) وذلك بأن يحلّ اليمين وينقضها بتعمد الحنث بعد توكيدها بما يشبه العقد والإبرام . وكثيرا ما سمعت العوام في بلدنا يقولون في الحلف « واللّه بكسر الهاء وعقد اليمين . . . » للإعلام بأنها يمين متعمدة مقصودة وليست لغوا يجري على اللسان بمقتضى العادة ، وهم لا يحركون به الها بل ينطقون بها ساكنة . فهذه هي اليمين التي يأثم من يحنث بها ويحتاج إلى الكفارة وقد بين اللّه ذلك بقوله : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ الكفارة صفة مبالغة من الكفر وهو الستر والتغطية . ثم صارت في اصطلاح الشرع اسما لاعمال تكفر بعض الذنوب والمؤاخذات أي تغطيها وتخفيها حتى لا يكون لها أثر يؤاخذ به في الدنيا ولا في الآخرة ، فالذي يكفر عقد اليمين إذا نقض أو أريد نقضه بالحنث به أحد هذه المبرات الثلاثة على التخيير . وأدناها إطعام عشرة مساكين وجبة واحدة لكل منهم من غالب الطعام الذي تطعمون به أهل بيوتكم لا من أدناه الذي تتقشفون به أحيانا ، ولا من أعلاه الذي تتوسعون به أحيانا كطعام العيد وما تكرمون به من تدعون أو تضيفون من كرام الناس ككثرة الألوان وما يتبعها من العقبة ( الحلوى والفاكهة ) فمن كان أكثر طعام أهله خبز البر وأكثر ادامه اللحم بالخضر أو دونه فلا يجزئه ما دونه أمما يأكلونه قليلا في بعض الأيام إذا طسيت أنفسهم ( أي قرفت من كثرة أكل الدسم ) ليعود إليها نشاطها . ولكن الأعلى يجزئ على كل حال لأنه من الوسط وزيادة ، وربما كان هو المراد بالأوسط ، أي من نوع يكون من أمثل طعام أهليكم . وقد روي ما يدل على هذا عن عطاء فإنه فسر الأوسط بالأمثل . وفسره ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة بالأعدل ، وهو ما بيناه أولا . وعن ابن عباس في رواية أخرى أنه قال : من عسرهم ويسرهم . وعن ابن عمر أنه قال في تفسيره : الخبز واللحم والخبز واللبن والخبز والزيت والخبز والخل . وفي رواية أخرى عنه نحو ما تقدم الا أنه ذكر بدل الخل التمر ثم